أَجَابَ: حقيقة الحظر لغة: المنع والحبس، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ [الإسراء: ]؛ أي ما كان رزق ربك محبوساً من البر والفاجر، والمحظور هنا: ما منع من استعماله شرعاً، والمباح: ما خير المكلف بین فعله وتركه من غير استحقاق ثواب على فعله وتركه، ولا عقاب على تركه.
نعم، يحاسب عليه حساباً يسيراً، فالمحظور هنا على هذا ضد المباح، وأما الجائز: فيطلق على الماضي والنافذ؛ كما يقال: بيع جائز، ونكاح جائز، ويراد به أيضاً المباح، فهما متحدان
وقد فرق بعضهم بين الجائز والمباح: بأن كل مباح جائز، وليس كل جائز مباحاً، فجعلوا الجائز ضد الحرمة والإباحة ضد الكراهة، فإذا انتفى الجواز، ثبت ضده وهو الحرمة، فتنتفي الإباحة أيضاً، وإذا انتفت الإباحة، ثبت ضدها وهو الكراهة ولا ينتفي الجواز؛ لجواز اجتماع الجواز مع الكراهة، كذا في «العناية »، وذكر في «القهستاني» عن خلع «النهاية»: بأن كل مباح حلال، وليس كلُّ حلال مباح؛ كالبيع عند النداء، فإنه حلال غير مباح؛ لأنه مكروه، وأما المكروه حيث أطلق فينصرف إلى كراهة التحريمية كما ذكره المحقق الكمال في شرحه على الهداية ».
وقال أبو يوسف لأبي حنيفة رحمه الله تعالى: إذا قلت في شيء: أكرهه فما رأيك فيه ؟ قال: التحريم، انتهى.
فالمكروه تنزيهاً ما كان تركه أولى، وهو إلى الحل أقرب اتفاقاً؛ كما في «البرهان»، ولا يمنع عن فعله ويقابله المندوب: وهو ما كان فعله أولى مع عدم المنع عن تركه، وأما المكروه تحريماً، وهو عند محمد كالحرام: فيعاقب على فعله، وعندهما إلى الحرام أقرب، فنسبة المكروه تحريماً إلى الحرام كنسبة الواجب إلى الفرض، فالفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني والمراد بالدليل القطعي متناً وإن كان ظني الدلالة.
وقال في «شرح المنار الأدلة السمعية أربعة أنواع: قطعي الثبوت والدلالة؛ كالنصوص المفسرة والمحكمة، والسنة المتواترة، وقطعي الثبوت ظني الدلالة؛ كالآيات المؤولة، وظني الثبوت قطعي الدلالة؛ كأخبار الآحاد، ظني الثبوت ظني الدلالة؛ كالتي مفهوماتها،ظنية، فبالأول يثبت الفرض، وبالثاني والثالث يثبت الوجوب، وبالرابع تثبت السنة والاستحباب، انتهى.
وأما الحرام: ما منع عنه بدليل قطعي وتركه فرض؛ كشرب الخمر، والمكروه تحريماً: ما منع عنه بدليل ظني؛ كأكل الضب، واللعب بالشطرنج، فتركه واجب، فيأثم بارتكابه كما يأثم بترك الواجب، ففعل المكروه تحريماً قريب من الحرام وليس بحرام؛ كترك السنة المؤكدة قريب من الحرام وليس بحرام، ففاعل المكروه تحريماً يستحق محذوراً دون العقوبة بالنار؛ كحرمان شفاعة المختار؛ كترك السنة المؤكدة، فلا يتعلق بتركها عقوبة النار، ولكن يتعلق به الحرمان من شفاعة المختار؛ لحديث: من ترك سنتي، لم ينل شفاعتي».
فإن قيل: هذا معارض بحديث آخر، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فتركُ السنة المؤكدة وفعلُ المكروه تحريماً دون الكبيرة، ولم يُحْرَمْ صاحبها من شفاعته، فما وجه الجمع؟
قلت: إن الشفاعة قد تكون لرفع الدرجات وهي المراد بها هاهنا في حديث: من ترك سنتي، لم ينل شفاعتي، فلا يلزم أن تكون للتخلص من النار، ولو سلم، فالمراد بالحرمان حرمان مؤقت لا مؤبد؛ بأن تتأخر الشفاعة لمن تركها عن الشفاعة لمن لا يتركها وكذا تتأخر الشفاعة لفاعل المكروه تحريماً عن الشفاعة لمن لم يفعله، ولو سلم، فاستحقاق حرمان الشفاعة لا ينافي وقوعها، كما لا ينافي استحقاق العقاب العفو عنه.
والاستحسان طلب الأحسن من الأمور، وقيل: الاستحسان: ترك: القياس والأخذ بما هو أرفق للناس، وقيل: طلب السهولة في الأحكام مما يبتلى به الخاص والعام، وهو على أقسام منه ما هو ثابت بالسنة؛ كالسلم، ومنه ما هو ثابت بالإجماع كالاستصناع، ومنه ما هو ثابت بالضرورة؛ كتطهير؛ الحائض، ومنه ما هو ثابت بالقياس الخفي، وهو كثير النظير، وحاصله ترك العسر إلى اليسر، قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: ]، وقوله صلى الله عليه وسلم: خير دينكم اليسر»، ويكفي ما ذكرناه في هذا المقام، وإذا أردت تحقيق معرفة الأحكام؛ من فرض، وواجب، وحرام ومباح، ومكروه، ومندوب، وخلاف الأولى، ومستحب، وسنة، وتطوع، ومستحسن، وجائز = فراجع كتب الأصول.