أَجَابَ: الحمد لله منزل الكتاب والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي إلى الصواب، وعلى آله وأصحابه الفائزين بلذيذ الخطاب، وسلَّم تسليماً، أما بعد: فإن رفع الصوت بالذكر جائز كما في الأذان والخطبة والحج، صرح به في البزازية» قبيل كتاب الجنايات، وقد جاء في الحديث ما اقتضى طلب الجهر في الذكر والتحلق إليه، وإنشاد القصائد المشتملة على توحيده تعالى، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه»، رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، ورواه أحمد بنحوه بإسناد صحیح، والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر، وكذا حلق الذكر، وطواف الملائكة بها، وذكر بعض أهل العلم أن الذكر جهراً أفضل حيث خلا من الرياء، أو تأذي المصلين أو النيام؛ لأنه أكثر عملاً، ولتعدي فائدته إلى السامعين، فكما أن القرآن العظيم يثاب قارئه ويثاب سامعه، فكذا الذكر، ولأنه يوقظ قلب الذاكر، فيجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد النشاط، والنداء أشد في رفع الوساويس والخواطر الردية، ويؤيده حديث البزار: من صلى منكم بالليل فليجهر بقراءته؛ فإن الملائكة تصلي بصلاته، وتسمع لقراءته؛ فإن مؤمني الجن الذين يكونون في الهواء وجيرانه معه في مسكنه يصلون بصلاته، ويسمعون قراءته، ويطرد بجهره عن داره والدور التي حوله فساق الجن ومردة الشياطين.
وما تمسك به هذا المعترض فمن فرط جهله وكثرة حمقه، وعدم فهمه، فأخذه على إطلاقه، ولم يجمع بين الأحاديث التي اقتضت طلب الإسرار والأحاديث التي اقتضت الجهر، فالجمع بينهما متحتم؛ كما جمع الأحاديث الطالبة للجهر بالقراءة والطالبة للإسرار بها، فما ذكره عن «الخانية» مستنداً الحديث: اربعوا على أنفسكم»، فهو محمول على الجهر الفاحش المضر، على أنه قد روي أنه كان في غزاة، ولعل رفع الصوت يجر بلاء، والحرب خدعة، ذكره في «البزازية».
وفيها: أنه لا يمنع عن الذكر جهراً في المسجد؛ احترازاً عن الدخول تحت قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾ [البقرة: ].
وما نقله هذا المعترض عن ابن مسعود فقد أجاب عنه في «البزازية»: بأنه إن صح عنه، فيجوز أن يكون لاعتقادهم العبادة فيه، وتعليم الناس بأنه بدعة والفعل الجائز يجوز أن يكون غير جائز لغرض يلحقه، فكذا غير الجائز يجوز أن يجوز لغرض؛ كما ترك الرسول الله الأفضل تعليماً للجواز.
وما تمسك به هذا المعترض من حديث: خير الذكر الخفي»، فهو محمول على ما إذا خيف الرياء، أو تأذى المصلون أو النيام.
وأما إنشاد الشعر في المسجد: ففي دلائل الإعجاز» لعبد القاهر السني الأشعري ما فيه الكفاية، ولو لم يكن إلا حديث كعب وقصيدته المشهورة، وإشارته إلى الخلق أن اسمعوا وكان عليه الصلاة والسلام يكون مع أصحابه الكرام مكان المائدة؛ يتحلقون حلقة دون حلقة، فيلتفت إلى هؤلاء وإلى هؤلاء، والأخبار فيما يشهد لهذا كثير، والأثر به مستفيض، وقول العلماء: إنما الشعر كلام فحَسَنُه حَسَنٌ، وقبيحه قبيح، فما جاز عن النثر جاز عليه.
والحاصل: أن الإنشاد المشتمل على تنزيه الرب وتوحيده وتقديسه، ومدح رسوله، وعلى الترغيب في الجنة والترهيب من النار، وما يحصل به الشوق المطلوب شرعاً، فهو جائز؛ لأن شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينشد بين يديه، وكان له حادٍ يقال له: أنجشة، يحدوا فيهم الإبل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أنجشة رويدك، سوقك بالقوارير»، وفي حديث سلمة ابن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فسرنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هناتك، وكان عامر رجلاً شاعراً، فنزل يحدوا بالقوم ويقول:
واللهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَينَا........ ولا تصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةٌ عَلَيْنَا............ وَثَبَتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا السائق؟»، فقالوا: عامر بن الأكوع، فقال: يرحمه الله»
وأما إدراج الذاكر في أ أثناء ذكره ب يا شيخي: فهو نداء؛ لأنه الواسطة، وقوله: شيء الله، فهو طلب شيء إكراماً لله، فلا موجب لحرمته، وما في نظم الفرائد: ومن قال: شيء الله [قال] بعض: يكفر، فلا وجه لذلك، فالكفر شيء عظيم، فلا يكفر المسلم بشيء اختلف فيه ولو برواية ضعيفة، فمعاذ الله أن يوجد الكفر بذلك احتمال التأويل، وتمكن نور التوحيد في مع قلب المؤمن.
وأما قوله في الذكر آه فإن كان في حال صحوه، فلا يجوز،:: وإن غلب عليه الحال وقال ذلك في حالة وجده من غير اختيار، فيكون ذاكراً بهذا الشرط؛ لأن الفقير إذا سلب اختياره جاز له أن يذكر الله تعالى كيف ما اتفق؛ لأن من لذيذ الخطاب رفع العتاب، كما صرح به العلماء الأعلام الجامعون بين الظاهر والباطن.
وأما الرقص والصياح: فإن كان في حال اختياره كما يفعله الآن أهل السماع في أول نزولهم، نراهم يرقصون باختيارهم فحرام لا يجوز، وذكر في «الذخيرة»: أنه كبيرة وإذا سلب اختياره وأضرم نار وجده وعشقه بربه، فصاح أو ناح أو رقص، وكان مغلوباً عليه من غير اختيار، فلا بأس بذلك، فيشترط في ذلك الوجد الصحيح.
وقال بعضهم: شرط الواجد في رغبته أن يبلغ إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لا يشعر فيه بوجع وقال بعضهم: الكذب في الوجد أشد من الغيبة كذا وكذا سنة.
والدليل على الأول: قوله تعالى: ﴿وَخَرَ مُوسَى صَعِقَا ﴾ [الأعراف: ]؛ أي: من هيبة الله تعالى، والدليل على الثاني: ما وقع لجعفر بن أبي طالب الله لما قال له عليه الصلاة والسلام: «أشبهْتَ خَلْقِي وخُلُقِي»، وفي لفظ: «جعفر أشبه الناس بي خلقاً وخلقاً»، فحجل؛ أي: مشى على رجل واحدة، وفي رواية: رقص من لذة الخطاب، ولم ينكر عليه الصلاة والسلام
رقصه.
أما حديث تواجده عليه الصلاة والسلام: لم يصح م يصح، ذكره في «الدر المنتقى ».
وقد صنف الفقهاء وأهل التصوف في ذلك تصانيف كثيرة، وما حررناه حاصل التحقيق في ذلك, والله الهادي للصواب، وإليه المرجع والمآب ونعوذ به من أهواء الأنفس والتعصب والجدال، والأخذُ من غير حجة ودليل مضلة، فرضي الله عن الأئمة، فليس لهم قول خال عن دليل.