أَجَابَ: لَا يَصِحُ ذَلِكَ مَعَ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُ، وَلَا وَجْهَ لِطَلَبِ الْبَيِّنَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنَ الْمُدَّعِي الْمَذْكُورِ، وَاعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ عُلَمَائِنَا فِي سَائِرِ كُتُبِهِمْ تَضَافَرَتْ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ يَكُونُ خَصْمَا عَنِ الْمَيِّتِ، وَأَنَّ فِي دَعْوَى الشِّرَاءِ مِنَ الْمُوَرِّثِ الْخُصُومَةَ مُتَوَجِّهَةٌ عَلَى الْمَيِّتِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ خَصْمٌ عَنْهُ، فَإِذَا ثَبَتَ فِي حَقٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ ثَبَتَ فِي حَقِّ بَقِيَّتِهِمْ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ، كَأَنَّ الْمَيِّتَ خَصْمَا بِنَفْسِهِ، فَيَثْبُتُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِمُدَّعِي الشِّرَاءِ، قَالَ فِي (جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ): مَاتَ وَتَرَكَ دَارًا وَثَلَاثَةٌ بَنِينَ، فَغَابَ اثْنَانِ وَبَقِيَ ابْنُ وَاحِدٌ، وَالدَّارُ بِيَدِهِ نَصِيبُهُ لَهُ، وَنَصِيبُ الْغَائِبَيْنِ وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ، وَالدَّارُ غَيْرُ مَقْسُومَةٍ، فَادَّعَى رَجُلٌ كُلَّ الدَّارِ ، فَلَوِ ادَّعَى مِلْكًا مُرْسَلًا أَوِ ادَّعَى الشَّرَاءَ مِنْ أَبِيهِ يُحْكَمُ لَهُ بِالدَّارِ ؛ إِذْ بَعْضُ الْوَرَثَةِ خَصْمٌ عَنْ كُلِّهِمْ؛ إِذِ الْخُصُومَةُ تَوَجَّهَتْ عَلَى الْمَيِّتِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ يَكُونُ خَصْمًا عَنِ الْمَيِّتِ. انْتَهَى. وَمِثْلُهُ ب أَغْلَبِ الْكُتُبِ، فَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِمُ الْخُصُومَةُ تَوَجَّهَتْ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَوْلِهِمْ: بَعْضُ الْوَرَثَةِ خَصْمٌ عَنْ كُلِّهِمْ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ عَلِمْتَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَقَدِّمَ هُوَ الصَّحِيحُ النَّافِذُ، وَأَنَّ الْمُتَأَخَّرَ لَا اعْتِبَارَ بِهِ؛ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى إِبْطَالِ الْأَوَّلِ، وَالْحُكْمُ الصَّادِرُ عَلَى وَجْهِ الصَّحَةِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ، وَمِنْ قَوَاعِدِهِمُ الْقَضَاءُ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ، وَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ بِالشَّلِّ، وَلَا شَكٌّ أَنَّ الْحُكْمَ بِكَوْنِهِ مِيرَانًا يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ الْحُكْمِ السَّابِقِ؛ بِكَوْنِهِ مِلْكًا لِلابْنِ بِالشِّرَاءِ السَّابِقِ مِنْ أَبِيهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ مَعَ وُقُوعِ الْأَوَّلِ صَحِيحًا بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَشَهَادَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، فَأَنَّى يَبطُلُ وَالْحَالُ هَذِهِ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.