أَجَابَ: إِنْ أَذِنَ لَهُ الْمُتَوَلِّي فِي عِمَارَةِ الْحَانُوتِ لِيَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الْوَقْفِ، أَوْ قَالَ لَهُ الْمُتَوَلَّي : أَذِنْتُ لَكَ فِي عِمَارَتِهَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ؛ كَانَتِ الْعِمَارَةُ لِلْوَقْفِ، وَيَرْجِعْ بِمَا أَنْفَقَ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: أَنْفَقْتُ كَذَا، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : كَذَا دُونَ مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَأْجِرُ، فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الصَّنْعَةِ عَلَى قَوْلِ وَاحِدٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الصَّنْعَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُتَوَلِّي وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْبَيِّنَةُ؛ لأَنَّهَا دَعْوَى وَإِنْكَارُ، فَيُعتبرُ فِيهَا مَا يُعتبرُ فِي الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ، كَمَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِنَا فِي الْإِجَارَةِ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْمُتَوَلِّي بِالْعِمَارَةِ لِنَفْسِهِ، فَعَمَّرَ فِي عَرْصَةِ الْوَقْفِ، وَبَنَى حَانُوتًا لِنَفْسِهِ فَقَدْ قَالَ فِي (الْخَانِيَّةِ، وَالإِسْعَافِ) وَغَيْرِهِمَا: رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مَوْقُوفَةٌ وَبَنِّي فِيهَا حَانُونًا، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَزَادَ فِي غَلَّةِ الْأَرْضِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ الثَّانِيَ مِنَ الْحَانُوتِ، يُنظَرُ إِنْ كَانَ آجَرَهُ الْمُتَوَلِّي مُشَاهَرَةً، فَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ كَانَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَفْسَخُ الْإِجَارَةَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إِذَا كَانَتْ مُشَاهَرَةٌ يَتَجَدَّدُ انْعِقَادُهَا عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ، فَإِذَا فَسَخَ الْإِجَارَةَ إِنْ كَانَ رَفْعُ الْبِنَاءِ لَا يَضُرُّ بِالْأَرْضِ ؛ كَانَ لِصَاحِبِ الْبِنَاءِ أَنْ يَرْفَعَ بِنَاءَهُ، وَإِنْ كَانَ رَفْعُ الْبِنَاءِ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ ؛ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ الْبِنَاءَ، فَبَعْدَ ذَلِكَ إِنْ رَضِيَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَيَتْرُكَ الْبِنَاءَ عَلَى الْمُتَوَلِّي؛ كَانَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْقِيمَةَ، يُنْظَرُ إِلَى قِيمَةِ الْبِنَاءِ مَبْنِيًّا وَإِلَى قِيمَتِهِ مَنْزُوعًا، أَيُّهُمَا كَانَ أَقَلَّ يَتَمَلَّكَهُ الْمُتَوَلِّي بِذَلِكَ ، فَيَصِيرُ الْبِنَاءُ وَقْفًا مَعَ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ رَفْعُ الْبِنَاءِ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ وَأَبَى الْمُتَوَلِّي أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْقِيمَةَ وَيَتَمَلَّكَ الْبِنَاءَ؛ لَا يُجْبَرِ الْمُتَوَلِّي، بَلْ يَتَرَبَّصُ صَاحِبُ الْبِنَاءِ إِلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مَالُهُ، فَيَأْخُذُهُ. فَهُوَ كَمَا تَرَى صَرِيحٌ فِي أَنَّ كُلَّا مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُتَوَلِّي لَا يُجْبَرُ إِذَا أَبِي، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى التَّرَاضِي، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ أُجْرَةُ أَرْضِ الْوَقْفِ بِلَا شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّ إِبْقَاءَ الْبِنَاءِ لِمَصْلَحَةِ الْوَقْفِ لَا لِمَصْلَحَتِهِ، وَلَوْ لَزِمَتُهُ الْأُجْرَةُ؛ لَزِمَهُ ضَرَرُ أَنَّ أَحَدَهُمَا الْتَزَمَ بِهِ بِفِعْلِهِ، وَالْآخَرَ لَمْ يَلْتَزِمْ بِهِ، وَهُمَا ضَرَرُ التَّرَبُّصُ إِلَى وَقْتِ التَّخَلُصِ، وَقَدِ الْتَزَمَ بِهِ بِفِعْلِهِ: إِذْ بَنَى فِي أَرْضِ الْوَقْفِ بِحُسْنِ اخْتِيَارِهِ بِنَاءً لَا يَتَخَلَّصُ إِلَّا بِضَرَرِ الْوَقْفِ فيلزمُهُ، وَضَرَرُ لُزُومِ الْأَجْرَةِ مِنْ غَيْرِ انْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ وَلَمْ يَلْتَزِمْ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ، فَتَحَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْبِنَاءَ مِلْكُهُ، وَأَنَّ الْعَرْصَةَ لِلْوَقْفِ، وَقَدْ قَالَ فِي (الْبَزَّازِيَّةِ) وَغَيْرِهَا: وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءً مِلْكًا وَالْعَرْصَةُ وَقْفًا، وَآجَرَ الْمُتَوَلِّي بِإِذْنِ مَالِكِ الْبِنَاءِ؛ فَالْأَجْرُ يَنْقَسِمُ عَلَى الْبِنَاءِ وَالْعَرْضَةِ، وَيُنْظُرُ بِكُمْ يُسْتَأْجَرْ كُلُّ، فَمَا أَصَابَ الْبِنَاءَ؛ فَهُوَ لِمَالِكِ الْبِنَاءِ وَأَمَّا إِذَا اسْتَرَمَّ، فَأَذِنَ لَهُ بِمَرَمَّتِهِ أَوْ تَطْبِينِهِ ونَحْو ذلِكَ، فَيُنْظُرُ إِنْ زَادَ فِيهِ مِنْ مَالِهِ حَجَرًا أَوْ خَشَبَةٌ أَوْ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ الرَّفْعِ يَدْفَعْ لَهُ الْمُتَوَلِّي قِيمَتَهُ مِنْ غَيْرِ تَخْيِير؛ إِنْ ضَرَّ الْوَقْفَ رَفْعُهُ، فَإِنْ زَادَ فِيهِ شَيْئًا لَا قَيمَةَ لَهُ بَعْدَ الرَّفْعِ كَالتُرَابِ مَثَلًا؛ لَا يَرْجِعْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى نَحْوِ تَطْبِينِهِ وَمَرَمَّتِهِ أُجْرَةٌ لِلْأُجَرَاءِ بِإِذْنِ الْمُتَوَلِّي؛ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ فِي غَلَّةِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْحَانُوتِ كَانَتْ مَوْجُودَة فَأَذِنَ لَهُ بِمَرَمَّتِهَا، وَإِصْلَاحِ حِيطَانِهَا وَسُقْفِهَا، وَالْإِذْنُ مُوجِبٌ للرجوع، فَيَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ فِي ذَلِكَ.