حكم ترك التسمية على الذبيحة

السؤال
سُئِل: فيما إذا ترك الذابح التسمية ناسياً، فهل تحل ذبيحته أم لا؟
الإجابة

أَجَابَ: نعم تحل؛ لأن الشرع جعل الناسي ذاكراً لعذر من جهته، وهو النسيان، وإن ترك التسمية عمداً، لا تحل، والمسلم والكتابي في ترك التسمية سواء، وعند الشافعي، تحل، وعند الإمام مالك: لا تحل بترك التسمية ولو نسياناً، ولنا الإجماع، والسنة، والكتاب:
أما الإجماع: فقد قال الزيلعي: وعلى [حرمة] متروك التسمية عمداً انعقد الإجماع فيمن كان قبل الشافعي، وكان الخلاف بينهم في متروك التسمية نسياناً، فمذهب ابن عمر: أنه يحرم ومذهب علي وابن عباس: أنه يحل.
وأما السنة: وهو حديث عدي بن حاتم الطائي، فإنه قال عليه الصلاة والسلام في آخره: وإن شارك كلبك كلب آخر، فلا تأكل منه؛ فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على كلب غيرك »، فعلة الحرمة بترك التسمية.
وأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ]، فإن قيل: ظاهره في تحريم متروك التسمية عمداً أو نسياناً، فهو عام مؤكد في الآية ب ما الاستغراقية التي تفيد التأكيد، وتأكيد العام ينافي احتمال التخصيص، فيعم، فلم خصص بالعمد؟
قلنا: ليس حل متروك التسمية ناسياً بطريق التخصيص، بل بطريق أن الشرع جعل الناسي ذاكراً لعذر كان من جهته، وهو النسيان، واستدل الشافعي رضي الله تعالى عنه بقوله عليه الصلاة والسلام: «المسلم يذبح على اسم تعالى سمى أو لم يسم»، وبقوله عليه الصلاة والسلام: ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر الله عليه»، ويقول: إن التسمية لو كانت شرطاً للحل، لما سقط بعذر النسيان؛ كالطهارة في باب الصلاة، ولو كانت شرطاً، فالملة
أقيمت مقامها؛ كما في الناسي، ويحمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ [الأنعام: ] على ما إذا أهل به لغير الله؛ بقرينة قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ [الأنعام: ]؛ فإن الواو في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} لا يصح أن تكون عاطفة، وإن كان الأصل فيها العطف؛ لتخالف الجملتين اسمية وفعليةً، وخبراً وإنشاء، فبينهما كمال الانفصال، ويشترط في عطف الجملة على الجملة أن يكون بينهما كمال الاتصال، ولا يصح أن تكون ابتدائية؛ لأنه خلاف الأصل فيها، فتعيَّنت أن تكون للحال، والحال وصف لصاحبها، قيد لعاملها، فالمعنى حينئذ؛ أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه حالة كونه فسقاً ومتى يكون فسقاً ؟ إذا أهل به لغير الله، فسر ذلك آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى ﴾ [الأنعام: ] أي في القرآن، أو فيما أوحي إلي مطلقاً، وفيه تنبيه على أن التحريم لا يعلم إلا بالوحي، لا بالهوى، مُحَرَّمًا، أي: طعاماً محرماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً؛ أي: إلا أن يكون الطعام ميتة، أَوْ دَ مَا مَسْفُوحًا؛ أي: مصبوباً؛ كالدم في العروق، لا الكبد والطحال، أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رجسُ؛ أي: الخنزير أو لحمه أَوْ فِسْقًا » عطف على ولَحْمَ خِنزير، وما بينهما اعتراض للتعليل، أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ صفة له موضحة، وإنما سمى ما ذبح على اسم الصنم فسقاً؛ لتوغله في الفسق، هذا ما حققه أئمة الشافعية في هذا المقام فما ذكروه من الأحاديث، فهو محمول عندنا على النسيان؛ توفيقاً بين الأحاديث وما ذكروه من أن الواو في الآية لا يصح أن تكون عاطفة؛ لما بين الجملتين من كمال الانفصال، فمسلَّم، وأما تعينها للحال: فغير مسلّم، فكما تحتمله، فتحتمل أيضاً أن تكون ابتدائية، وهي فيهما على خلاف الأصل، فلا بد من مرجح لكونها للحال.
فإن قيل: المرجح لذلك شيئان الأول: لكون الحال متعلقاً بما قبله، فهو أشبه بمعناها الأصلي الذي هو العطف والثاني: لتفسير الفسق بما أهل به لغير الله في الآية الأخرى، فيحتاج إلى جواب كما لا يخفى على ذوي الألباب
قال في «المنح»: قلنا لا ضرورة في الحمل، فإذا لم يحمل، فيكون قُل لاَ أَجدُ» نازلاً قبل وَلَا تَأْكُلُواْ؛ لئلا يلزم الكذب، كذا قاله شارح «الوقاية».
قال أخي زاده: فيه،مناقشة وهي أن ظاهر هذا الكلام مخالف للحديث الذي نقله الزمخشري والبيضاوي في تفسيرهما» في آخر سورة الأنعام؛ حيث قالا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة»: لأن نزولها جملة ينافي ظاهر كون نزول أحدها قبل الآخر، فليتأمل، انتهى. والله الملهم للصواب فتفطن لذلك، واحتفظ على ما حررناه.

imam icon

أرسل سؤالك إلى المساعد الذكي

إذا لم تكن الإجابات السابقة مناسبة، يرجى إرسال سؤالك إلى المفتي عبر