أجاب: نعم يجوز نكاح المسلم امرأة من أهل الكتاب يهودية كانت، أو نصرانية، ولا يجوز نكاحه مجوسية لما في الدار المختار وصح نكاح كتابية وإن كره تنزيها مؤمنة بنی مرسل مقرة بكتاب منزل وإن اعتقدوا المسيح إلها وكذا حل ذبيحتهم على المذهب بحر ولما في الفتاوى الهندية في الباب الثالث في بيان المحرمات القسم السابع المحرمات بالشرك لا يجوز نكاح المجوسات، ولا الوثنيات وسواء في ذلك الحرائر منهن والإماء كذا في السراج الوهاج انتهى، ثم قال، ولا يطأ المشركة والمجوسية بملك اليمين انتهى ولقوله تعالى: ولا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حتى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ، ولو أَعْجَبَتْكُمْ، ولا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حتى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكِ، ولو أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ
وَاللهُ يَدْعُو إلى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (البقرة: ۲۲۱)
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِتُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة
٣٠:٣١) ولكنها خصت عنها بقوله (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (المائدة: من الآية ه)، كما في البيضاوي وهي من سورة المائدة، ولم ينسخ منها شيء، كما في حاشية الشهاب عليه وفي الهندية أيضاً ويجوز للمسلم نكاح الكتابية الحربية والذمية حرة كانت، أو أمة كذا في محيط السرخسي والأولى أن لا يفعل، ولا يأكل ذبيحتهم إلا لضرورة كذا في فتح القدير، ثم إذا تزوج المسلم الكتابية فله منعها من الخروج إلى البيعة والكنيسة كذا في السراج الوهاج، ومن اتخاذ الخمر في منزله كذا في النهر الفائق ولا يجبرها عل الغسل من دم الحيض والنفاس والجنابة كذا في السراج الوهاج انتهى ثم قال وكل من يعتقد دينا سماويا، وله كتاب منزل كصحف إبراهيم. انه وشيث وزبور داود عليه فهو من أهل الكتاب فتجوز مناكحتهم وأكل ذبائحهم كذا في التبيين انتهى ثم قال ومن كان أحد أبوبه كتابيا والآخر مجوسيا كان حكمه حكم أهل الكتاب كذا في البدائع، ولو تزوج المسلم كتابية فتمجست حرمت عليه وانفسخ نكاحها وإن تزوج يهودية فتنصرت أو نصرانية فتهودت لا يفسد نكاحها، ولو تصابات عند أبي حنيفة لا يفسد، وعندهما يفسد كذا في الجوهرة النيرة انتهى، ثم قال ويجوز نكاح الكتابية على المسلمة والمسلمة على الكتابية وهما في القسم سواء لاستوائهما في محلية النكاح كذا في شرح الجامع الصغير لقاضيخان وفيها من الباب الحادي عشر في القسم ومما يجب على الأزواج للنساء العدل والتسوية بينهن فيما يملكه والبيتونة عندها للصحبة والمؤانسة لا فيما لا يملكه وهو الحب والجماع كذا في فتاوى قاضيخان والعبد كالحر في هذا كذا في الخلاصة فيسوي بين الجديدة والقديمة والبكر والثيب والصحيحة والمريضة والرتقاء والمجونة التي لا يخاف منها والحائض والنفساء والحامل والحائل والصغيرة التي يمكن وطؤها والمحرمة والمولى منها والمظاهر منها كذا في التبيين وكذا بين المسلمة والكتابية كذا في السراج الوهاج وفيها أيضاً من الفصل الأول من الباب السابع عشر في النفقات تجب على الرجل نفقة امرأته المسلمة والذمية والفقيرة والغنية دخل بها أو لم يدخل كبيرة كانت المرأة، أو صغيرة يجامع مثلها كذا في فتاوى قاضيخان انتهى وفي تنوير الأبصار من باب النفقة فتجب للزوجة على زوجها، ولو صغير ألا يقدر على الوطء، أو فقير، أو لو مسلمة، أو كافرة تطيق الوطء انتهى ومما يدل على مساواة الزوجة الكتابية للمسلمة فيما ذكر إطلاق النصوص الواردة فيما يجب للزوجات على أزواجهن وبالعكس ما عدا الميراث واللعان وحد القذف لما رواه البخاري في كتاب الفرائض أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم ولما في المصابيح لا يتوارث أهل ملتين شتى والإجماع عليه وعلى أنه لا أحد إلا بقذف المسلمة ولأن شرط اللعان الإحصان وأهلية الشهادة وهو كونها مسلمة حرة بالغة عاقلة، كما في رد المختار من اللعان ودليل حل الكتابية قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ َالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ (المائدة: من الآية ٥) وقوله تعالى ومن لا يستطيع منكم طولا أن ومن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (النساء: من الآية ٢٥).
قال النسفي في تفسيره: المعنى، ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة ونكاح الأمة الكتابية يجوز عندنا والتقييد في النص للاستحباب بدليل أن الإيمان ليس بشرط اتفاقا مع التقييد به وقال ابن عباس ومما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسرا وفيه دليل لنا في مسألة الطول وقال أنس نكح عثمان نصرانية ونكح طلحة يهودية والله تعالى أعلم.
الثاني: هل يباح طعام أهل الكتاب وما المراد من كلمة الطعام في قولة تعالى وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ (المائدة: من الآية (٥) الطعام المطلق على إطلاقه، أو الطعام المذبوح حلال على حسب شرع الإسلام.
أجاب: نعم يباح طعام أهل الكتاب بسواء كان الحيوانات المذكاة ذكاة شرعية، أو من غيرها مما لم يرد الشرع بتحريمه ودليله من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (المائدة: من الآية ٥) لكن المراد بإطعام في الآية خصوص الحيوانات المذكاة بذكاة شرعية لأن غيرها لا يختص حلة بملة دون أخرى فلا فائدة من التنصيص عليه بخلاف المذبوح ألا ترى أن ذبيحة
المجوسي والوثني لا تحل بخلاف ذبيحة الكتابي فهذه نكتة التخصيص.
قال النسفي في تفسيره (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾ (المائدة: من الآية ٥ أي ذبائحهم لأن سائر الأطعمة لا يختص حلها بالملة وطعامكم حل لهم فلا جناح عليكم، إن أطعمتموهم لأنه لو كان حرام عليهم طعام المؤمنين لما ساغ إطعامهم، وفي تفسير الخازن وأجمعوا على أن المراد بطعام الذين أوتوا الكتاب ذبائحهم خاصة لأن مأسوي الذبائح فهي محللة قبل أن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة، ولا من قبل هذه الآية في حكم الصيد والذبائح فحمل هذه الآية عليه أولى ولأن سائر الطعام لا يختلف من تولاه من كتابي وغيره وإنما مختلف المذكاة فلما خص أهل الكتاب بالذكر دل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم اهـ ودليله من السنة أكله صلى الله تعالى عليه وسلم من الشاة التي أهدتها له اليهودية زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم حين عمدت إلى عنز لها وذبحتها وصلتها، ثم عمدت إلى سم لا يلبث بأن يقتل من ساعته فأكل منها وأكل رهط من أصحابه معه والحديث مشهور شائع ذكره البخاري في صحيحه وأبو داود في سننه وصاحب المواهب اللدنية والسيرة الحلبية وسيرة ابن هشام، وغير ذلك، وكان ذلك في غزوة خيبر بعد فتحها في بقية المحرم سنة سبع من الهجرة والله تعالى أعلم.
الثالث: ما حكم وطء المرأة التي يستخدمها الرجل بالشهرية، أو بالنفقة فقط ويعاشرها كالزوجة في أكل ويشرب ويبيت معها على الإعلان بتراضي الطرفين، فهل ينزل تراضيهما على ذلك منزل الصيغة الشرعية وينزل الإعلان المذكور منزلة شهادة الشاهدين فينعقد النكاح بذلك أولا، وفي هذا عموم البلوى في بلدة عظيمة من بلاد الهند ممن ديار الإسلام اسمها حيدر آباد دكهن ولا يبحثون عن كونها في نكاح الغير أو في عدته بل ربما يعلمون أنها متزوجة بزوج آخر، أو في عدته، فإن قلتم بالأول، فهل أوّل الوطء حرام أم حلال باعتبار التراضي فقط، أو لا بد من التراضي والإعلان وما معنى الإعلان للنكاح عند مالك، وهل يعمل به عند الحنفيين.
أجاب: حكم هذا الوطء الحرمة، وأنه زنا محض لأنه لم يوجد في نكاح، ولا في شبهته أما الأول فلان ركنه الإيجاب والقبول اللذان ينعقد بهما، ولم يوجد وأما الثاني فلعدم وجود ما يحقق ذلك قال في الهندية في الباب الأول من النكاح وأما ركنه فالإيجاب والقبول كذا في الكافي والإيجاب ما يتلفظ به من، أي: جانب كان والقبول جوابه هكذا في العناية وقال أيضاً في الباب الثاني وما ينعقد به النكاح فهو نوعان صريح وكناية فالصريح لفظ النكاح والتزويج وما عداهما وهو ما يفيد ملك العين في الحال كناية كذا في النهر الفائق ناقلا عن المبسوط، ولا ينعقد بلفظ الإجارة في الصحيح والإعارة والإحلال والتمتع والإجازة والرضى ونحوها كذا في التبيين اهـ وعلى مقابل الصحيح من الانعقاد بلفظ الإجارة فالمراد أن يذكر أحدهما هذا اللفظ قاصدا به النكاح مع قبول الآخر كذلك لا أن يستأجرها للخدمة، أو الوطء فإنه إذا وطء في هذه الحالة يكون زنا وإن كان لا يحد عند الإمام في الصورة الثانية قال في فتاوى قاضيخان في أول كتاب الحدود، ولو استأجر امرأة ليزني بها فزنا بها لا يحد في قول أبي حنيفة، تعالى وإن استأجرها للخدمة فزنا بها يحد اهـ وقال في الدر المختار في باب الوطء الذي يوجب الحد والذي لا يوجبهما، ولا حدا للزنا للمستأجرة له، أي: للزنى والحق وجوب الحد كالمستأجرة للخدمة فتح اهـ على القول الإمام الله فالساقط إنما هو الحد لا حرمة الزنى، كما يأخذ من رد المختار، أو كتاب الحدود عند قول الشرح والزنى الموجب للحدود وطء مكلف ناطق طائع في قبل مشتهاة خال عن ملك وشبهته ونصه قوله الموجب للحد قيد به لأن الزنى في اللغة والشرع بمعنى واحد وهو وطء الرجل المرأة في غير الملك وشبهته فإن الشرع لم يخص اسم الزني بما يوجب الحد بل هو أعم والموجب الحد بعض أنواعه، فلو وطىء جارية ابنه لا يحد للزني، ولا يحد قاذفه بالزنى فدل على أنه فعله زنا وإن كان لا يحد به اهـ الإعلان الذي يكتفي به الإمام مالك عن شهادة الذي نقله قاضيخان في فتواه ونصه فصل في شرائط النكاح منها الشهادة عندنا وقال مالك والشرط هو الإعلان دون الشهادة حتى لو تزوجها بحضرة الشهود وشرط الكتمان لا يجوز ولو تزوجها بغير شهود وشرط الإعلان جاز اهـ لا يجدي نفعا في هذه الحادثة فإن مذهبه أن النكاح لا ينعقد بلفظ الإجارة، ولو ذكر معه المال قال في الشرح الكبير للعلامة الدردير على متن الشيخ خليل من كتب السادة المالكية وصيغته أي النكاح أنكحت وزوجت، ولو لم يسم صداقا، كما يأتي في التفويض وصح بتسميته صداقا وهبت لك ابنتي مثلا، أو تصدقت عليك بها بكذا، أي مثل وهبت، حيث سمي صداقا فينعقد به النكاح أو لا ينعقد. ولو سمى صداقا ككل لفظ لا يقتضي البقاء كالحبس والوقف والإجارة والعارية اهـ على أنه لو انعقد النكاح عنده من غير شهادة الشهود واكتفى فيه بالإعلان اللاحق لا تتقرر صحته ولا تترتب نمرته إلا بعد الإشهاد.
قال العلامة الدردير في الشرح الصغير وندب الإشهاد عند العقد للخروج من الخلاف، إذ كثير من الأئمة لا يرى صحته إلا بالشهادة حال العقد ونحن نرى وقوعه صحيحا في نفسه وإن لم تحصل الشهادة حال العقد بالبيع ولكن لا تتكرر صحته، ولا تترتب ثمرته من حل التمتع إلا بحصولها قبل البناء اهـ إذا علمت ذلك تحققت أن هذا من جملة ما نهى الله تعالى عنه بقوله، {ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} (الاسراء: (۳۲) قال في تفسير الخازن، ولا تقربوا الزني أنها كان فاحشة، أي: قبيحة زائدة على حد القبح وساء سبيلا، أي: بئس طريقا طريقه وهو أن تغصب امرأة غيرك، أو أخته أو بنته من غير سبب والسبب ممكن وهو الصهر الذي شرعه الله تعالى.
قيل: إن الزنى اشتمل على أنواع من المفاسد:
منها: المعصية وإيجاب الحد على نفسه، ومنها اختلاط الأنساب فلا يعرف الرجل ولد من هو، ولا يقوم أحد بتربيته وذلك يوجب ضياع الأولاد وانقطاع النسل وذلك يوجب خراب العالم اهـ وقد قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ (المؤمنون ٥:٧)، أي: المتجاوزون إلى ما لا يحل لهم فقد حصر الحل في الأزواج أم ما ملكت اليمين والمذكور في السؤال لم يكن واحد منهما.
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كل فرج سواهما حرام رواه الترمذي والله تعالى أعلم.
الرابع: ما حكم بيع الحرائر اللاتي باعهن أحد من أقاربهن، أو بعن، أو وهبن أنفسهن في أيام القحط لخوف الموت من الجوع، أو حصل ذلك في غير أيام القحط، فهل هذا البيع صحيح، أو لا، وهل وطؤهن بهذا السبب حرام، أو حلال، وهل يثبت نسب أولادهن من هذا الواطئ أو هو زنا لا يثبت معه النسب وما الجواب عن قول، القائل، إن باب الرق والعبودية انقطع بآية فأما منا بعد وأما فداء، إذ لا دليل خلافه أقوى منه، أو يساويه حتى تثبت معارضته للأول.
أجاب: حكم بيعهن وهبتهن للغير سواء كان البيع، أو الهبة صادراً من غيرهن أم أنه باطل فلا يملكن بحال من الأحوال لأنهن لسن بمال أصلا فلا يدخلن في ملك أحد وإن كن رضين بذلك لأن الحرية من حقوق الله تعالى، إذ يتعلق بها وجوب نحو الحج، أو الزكاة فلا يمكن الشخص من إسقاطها وجعل نفسه مملوكاً للغير لأنه غير قابل للمملوكية قال في تنوير الأبصار وبطل بيع ما ليس بمال كالدم والميتة والحر والبيع به ذكر ذلك في باب البيع الفاسد وذكر فيه أيضاً أن الباطل لا يملك بالقبض بخلاف الفاسد اهـ والهبة مثل البيع لأنها تمليك بغير عوض مشروط فلا تكون إلا فيما هو مال ففي الهندية في ذكر شروط الهبة الراجعة إلى الموهوب أن يكون مالا متقوما فلا تجوز هبة ما ليس بمال أصلا كالحر والميتة والدم وصيد الحرم والخنزير، وغير ذلك، ولا هبة ما ليس بمال مطلق كأم الولد والمدبر المطلق والمكاتب، ولا هبة ما ليس بمال متقوم كالخمر كذا في البدائع اهـ بل اللازم على من علم حال من اشتدت به المجاعة لعدم شيء يجده، ولا يقدر أيضاً على تحصيله له أن يحيى مهجته بما قدر، ففي الهندية من الباب الحادي عشر في الكراهة في الأكل وما يتصل به قال محمد تعالى في كتاب الكسب وبفرض على الناس إطعام المحتاج في الوقت الذي يعجز عن الخروج والطلب اهـ وحكم وطئهن بعد الهبة، أو البيع المذكور أنه زنا محض لا يثبت معه نسب الأولاد لأنه لم يوجد في ملك يمين ولا شبهته، ولا في ملك نكاح، ولا شبهته مثلا.
أما الأول: فلما علمت من بطلان البيع والهبة.
وأما الثاني: فلأنه لم يوجد فيه ما تحقق به تلك الشبهة وذلك بأن يطأ أمه ابنه وأما الثالث فلعدم ركنه من الإيجاب والقبول اللذين ينعقد بهما النكاح لعدم إرادته فيما ذكر.
وأما الرابع: فلعدم ما تحقق به تلك الشبهة وذلك بأن يطأ معتدته مثلا فصار وطؤهن على هذا الوجه حرا ما لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون٥:٦)، بل لو كانت المرأة من هذه النساء فراشا لرجل آخر بنكاح يثبت نسب ولدها من زوجها لا من هذا الزاني لما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله الولد للفراش وللعاهر الحجر » رواه الجماعة إلا أبا داود في لفظ للبخاري صاحب الفراش. والجواب: عن قول القائل أن باب الرق والعبودية انقطع بآية فأما منا بعد وأما فداء، إذ لا دليل خلافه أقوى منه، أو يساويه حتى تثبت معارضته للأول أن هذه الآية نزلت في يوم بدر، وكان الكفار حينئذ من مشركي العرب وهم لا يجرى فيهم الاسترقاق أصلا وقوله تعالى في الآية ﴿فَإِمَّا مَنَا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً» (محمد: من الآية) إرشاد ما فيه المصلحة في ذاك الوقت فلا يدل على منع غيرهما في الحكم عند اقتضاء المصلحة له وحينئذ لا تفيد الآية منع غير المن والفداء.
قال الفخر الرازي في تفسيره قوله تعالى فشدوا الوثاق أمر إرشاد، ثم قال تعالى ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) (محمد: من الآية ٤) مسائل:
الأول: وأما وإنما للحصر وحالهم بعد الأسر غير منحصر في الأمرين بل يجوز القتل والاسترقاق والمن والفداء نقول هذا إرشاد فذكر الأمر العام في سائر الأجناس والاسترقاق غير جائز في أسرى العرب، فإن النبي لو كان معهم، ولم يذكر الاسترقاق وأما القتل فلان الظاهر في المثخن الأزمان ولأن القتل ذكره بقوله فضرب الرقاب فلم يبق إلا الأمران اهـ وحكم مشركي العرب عندنا بعد آية براءة أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ولا يتركون أحرارا بضرب الجزية عليهم لأن القرآن نزل بلغتهم فالمعجزة فيهم أظهر من غيرهم لأن الآية وإن دلت على جواز المن والفداء إلا أن إمامنا الأعظم أبا حنيفة في المشهور عنه يقول بنسخ ذلك بآية فاقتلوا المشركين، حيث وجدتموهم وخذوهم وأحصرهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن هذه الآية في سورة براءة وهي آخر سورة نزلت أي كاملة فتكون ناسخة لآية المن والفداء ففي الدر من المغنم ما نصه وقتل الأسارى، إن شاء، إن لم يسلموا، أو استرقهم، أو تركهم أحرارا ذمة لنا إلا مشركي العرب والمرتدين كما سيجيء وحرم منهم، أي: طلاقهم مجانا، ولو بعد إسلامهم ابن كمال لتعلق حق الغانمين وجوزه الشافعي بقوله تعالى ﴿فَإِمَّا مَنَا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً (محمد: من الآية ٤) قلنا نسخ بقوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، حيث وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ (التوبة: من الآية ٥) شرح مجمع وحرم فداؤهم بعد تمام الحرب أما قبله فيجوز بالمال لا بالأسير المسلم درر وصدر الشريعة اهـ وكون سورة براءة آخر سورة نزلت عزاه في رد المحتار إلى فتح القدير وذكره في حواشي الجلالين في آخر سورة النساء، حيث قال روي أنه بعد ما نزلت سورة النص عاش عاما ونزلت بعدها براءة وهي آخر سورة نزلت كاملة إلى آخر ما ذكره اهـ وفي رد المحتار قوله إلا مشركي العرب والمرتدين فإنهم لا يسترقون، ولا يكونون ذمة لنا بل أما الإسلام أو السيف اهـ وكون آية المن والفداء منسوخة عند أبي حنيفة منقول في كثير من التفاسير والدلائل القرآنية الناطقة ببقاء الرق واستمراره والملك المترتب عليه كثيرة كآية كفارة اليمين والقتل والظهار وآية حل الاستمتاع بملك العين وكذا الأحاديث والإجماع على هذا فقد ثبت الاسترقاق بعد غزوة بدر بفعله عليه الصلاة والسلام في مواطن كثيرة وخرج البغوي في مصابيح السنة عن أبي سعيد الخدري قال لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ بعث رسول الله إليه فجاء على حمار فلماذا قال رسول الله يقوموا إلى سيدكم فجاء فجلس فقال رسول الله الا الله، إن هؤلاء نزلوا على حكمك قال فإني أحكم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى الذرية قال و له : «لقد حكمت فيهم بحكم الملك بحكم الله فلو انقطع باب الرق والعبودية لما أمكن شيء من ذلك والله تعالى أعلم.
الخامس: ما حكم سؤر الكتابي والمجوسي وعبدة الأصنام وما أصابته أيديهم من الماء، أو المائعات هل طاهر، أو لا، وإذا قلتم بالأول فما المراد من قوله تعالى ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (التوبة: من الآية (۲۸) هل نجاستهم كالغدرة، أو كالجنب، وهل سؤر شارب الخمر وآكل لحم الخنزير مسلما كان أو كافراً نجس، أو لا.
أجاب: سؤر الآدمي، ولو جنباً، أو كافراً وامرأة، ولو حائطا، أو نفساء طاهر إلا سور شارب الخمر، أو آكل لحم الخنزير مثلا، إن شرب أحدهما من الماء على فور ذلك، فلو ابتلع ريقه ثلاث مرات بعد لحس شفتيه بلسانه وزال أثر نجاسة فمه، ثم شرب لا يكون سؤره نجسا إلا إذا كان شاربه طويلا لا يصل إليه لسانه فلا يطهر بذلك إذا تنجس بشيء مما تقدم ويكون سؤره نجسا وإذا أصاب الكافر ماء، أو مائعا لا ينجسه كذا يؤخذ من الدر ورد المحتار والمراد من قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (التوبة: من الآية۲۸) نجاسة اعتقادهم، كما نقله في رد المحتار عن البحر. وقيل: غير ذلك، كما ذكره أئمة التفسير قال في الخازن قيل أراد بالمشركين عبدة الأصنام دون غيرهم من أصناف الكفار. وقيل: بل أراد جميع أصناف الكفار من عبدة الأصنام وغيرهم من اليهود والنصارى والنجس الشيء القذر من الناس وغيرهم. وقيل: النجس الشيء الخبيث والمراد بهذه النجاسة نجاسة الحكم لا نجاسة العين سموا نجسا على الذم لأن الفقهاء اتفقوا على طهارة أبدانهم.
وقيل : هم أنجاس العين كالكلب والخنزير حتى قال الحسن بن صالح من مس مشركا فليتوضأ وروى هذا عن الزيدية من الشيعة.
والقول الأول أصح.
وقال قتادة سموا نجسا لأنهم يجنبون، ولا يغتسلون ويحدثون فلا يتوضؤون. وقال النسفي في تفسيره: إنما المشركون نجس لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون، ولا يجتنبون النجاسات فهي ملابسة لهم، أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها اهـ والله سبحانه وتعالى أعلم.
السادس: ما معنى حديث من تشبه بقوم فهو منهم هل المراد منه التشبه في كل الأمور، أو، ولو كان في بعضها وهل التشبه بالكفار الممنوع أخذا من إشارة الحديث التشبه في خصوص ما نص الشارع على تحريمه، أو هو شامل، أي: تشبه كان، ولو في المباح، أو المسكوت عنه الذي لم ينص الشارع عليه بحل، ولا حرمة، وهل بين الشارع للبس هيئة مخصوصة لا يجوز العدول عنها، أو هي من جملة الأمور المباحة، وهل الجبة الرومية التي أهديت لرسول الله لو كانت هيئتها كملبوسه ا، أو كهيئة ملبوس الكفار، وهل ضيق الكمين دليل على الثاني.
وهل لبس الطربوش والتكمة المعبر عنها في مصر بالسترة والبنطلون والجزمة التي تلبسها الترك فيه تشبه بالنصارى، أو لا وما معنى لفظ منهم هل معناه من تشبه بالكفار فهو واحد من جملتهم كافر مثلهم، أو معناه مثلهم من بعض الوجوه فلا يلزم أن يكون كافرا، وهل من جملة التشبه الممنوع أكل الطعام على السرير وقطع الخبز واللحم بالسكين وغيرها أولا أفتونا من كتب الفقه بیان مع أدلة تلك المسائل من الأدلة الأربعة وأقوال السلف رحمكم الله.
أجاب: هذا الحديث ذكره الإمام السيوطي في الجامع الصغير في حرف الميم وقال شارحه العزيزي، قال المناوي :أي: تزيا في ظاهره بزيهم.
وقال العلقمي: أي: في لبسهم وبعض أفعالهم فهو منهم.
قال العلقمي: أي: من تشبه بالصالحين يكرم كما يكرمون، ومن تشبه بالفاسق لم يكرم، ومن وضع عليه علامة الشرفاء أكرم وإن لم يتحقق شرفه وفيه إشارة إلى أن من تشبه من الجان بالحيات المؤذيات وظهر لنا في صورتهم فإنه يقتل، وأنه لا يجوز في زماننا لبس العمامة الصفراء، أو الزرقاء إذا كان مسلما رواه ابن رسلان وأبو داود بن عمر والطبراني في الأوسط. عن ن حذيفة قال العلقمي بجانبه علامة الحسن اهـ. فالمراد بالتشبه المذكور التشبه ولو في بعض الأمور، ثم التشبه بالكفار قد يكون صوريا بأن يفعل كفعلهم من غير قصد تشبه بهم وقد يكون حقيقيا بأن يفعل ذلك قاصد التشبه بهم وعلى كل إما أن يتشبه بهم في محرم أولا، فإن في الأول فهو آثم مطلقا قصدا ولم يقصد وأن في الثاني أن قصدا ثم وإلا فلا يدل على ذلك ما ذكره في شرح الدر من باب مفسدات الصلاة ونصه وقراءته من مصحف، أي: ما فيه قرآن مطلقا لأنه تعلم إلا إذا كان حافظا لما قرأه أو قرأه بلا حمل، وقيل: لا تفسد إلا بآية واستظهره الحلبي وجوزه الشافعي بلا كراهة وهما بها للتشبه بأهل الكتاب، أي: أن قصده لأن التشبه بهم لا يكره في كل شيء بل في المذموم وفيما يقصد به التشبه، كما في البحر اهـ وكتب عليه في رد المحتار قوله لأن التشبه بهم لا يكره في كل شيء فإنا نأكل ونشرب، كما يفعلون بحر عن شرح الجامع الصغير لقاضيخان.
ويؤيده ما في الذخيرة قبيل كتاب التحري قال هشام رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفين بمسامير فقلت أترى بهذا الحديد بأسا قال لا قلت سفيان وثور بن زيد كرها ذلك لأن فيه تشبها بالرهبان فقال كان رسول الله لا يلبس النعال التي لها شعر وأنها من لبس الرهبان فقد أشار إلى أن صورة المشابهة فيما يتعلق به صلاح العبد لا تضر، فإن الأرض مما لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النوع اهـ وفيه إشارة أيضاً إلى أن المراد بالتشبه أصل الفعل أي صورة المشابهة بلا قصد اهـ، ولم يبين الشارع للبس هيئة مخصوصة فيجوز لبس ثيابهم عند عدم قصد التشبه. قال في رد المحتار قبيل كتاب الصلاة قال في الفتح وقال بعض المشايخ تكره الصلاة في ثياب الفسقة لأنهم لا يتقون الخمور. قال المصنف يعني صاحب الهداية الأصح أنه لا يكره لأنه لم يكره من ثياب أهل الذمة إلا السراويل مع استحلالهم الخمر فهذا أولى اهـ فأنت تراه أطلق جواز لبس ثيابهم، ولم يقيده بكونها على هيئة مخصوصة وفي شرح الأشباه لهبة الله أفندي البعلى من كتاب السير وكذا يكفر لو تزنر بزنانير اليهود والنصارى وهو زنار من صوف، أو شعر بشده فوق ثيابه، ولا يجعل له حلقة للشدة كما يشد المسلم المنطقة بل يعلقه على اليمين والشمال بر جندي وفي معين المفتي كل من تشبه بالكفارة عمدا، أو تزيا بزي النصارى، أو تزنر بزنانير النصارى، أو تقلنس بقلنسوة المجوس، أو دخل بيعة، أو كنيسة لزيارتها والتبرك بها، أو تبرك ببعض كبار الكفار لتنسكه بزيادات عبادتهم، أو شيء من خواص دينهم يكفر اهـ وتقييده بالعمد إشارة إلى أنه لو كان فعل ذلك لضرورة كخوف برد أو فعل ذلك خديعة في الحرب، أو طليعة للمسلمين، أو لأن البقرة لا تعطيه لينها إلا إذا لبسها، أو استهزاء بهم لا يكفر والكل مصرح به وقوله سواء دخل كنيستهم، أو لم يدخل تعميم في التشبه فقد علمته، ولو قال المتزنر بزنارهم، أو الملابس لما هو من شعارهم كنت مستهزئا بهم ولا اعتقد دينهم صدق ديانة لا قضاء وإطلاق معين المفتي وعلى القاري في شرح المكفرات يشير إلى أنه يصدق أيضاً في القضاء فليتأمل اهـ. وروى البخاري عن المغيرة قال: فأفرغت عليه الإداوة وغسل وجهه ويديه، وعليه جبه من صوف فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجها من أسفل الجبة اهـ. وفي فتح الباري شرح البخاري لابن حجر ما نصه باب الصلاة في الجبة الشامية هذه الترجمة معقودة لجواز الصلاة في ثياب الكفار ما لم تتحقق نجاستها وإنما عبر بالشامية مراعاة للفظ الحديث وكانت الشام، إذ ذاك دار كفر.
وقد تقدم في باب المسح على الخفين أن في بعض طرق حديث المغيرة أن الجبة كانت صوفا وكانت من ثياب الروم اهـ ولأبي داود من صوف من أجباب الروم إذا علمت ذلك فلا طائل في كون ضيق الكمين دليلا على أن هيئتها كملبوس الكفار لما ذكرنا أنه يجوز لبس ثيابهم فيما هو كفر كأن عظم يوم عيدهم تبجيلا لدينهم، أو لبس زنارهم، أو ما هو من شعارهم قاصدا بذلك التشبه بهم استخفافا بالإسلام، كما قيد به أبو السعود والحموي على الأشباه وإلا فهو مثلهم في الإثم فقط لا في الكفر وأما أكل الطعام على السرير وقطع الخبز واللحم بالسكين فلا يوجب كراهة التحريم ما لم يقصد التشبه بالكفار فقد ذكر في الهندية من الباب الحادي عشر في الكراهة في الأكل وما يتصل به ما نصه قال علاء الدين الترجماني يكره قطع الخبز بالسكين وقال أبو الفضل الكرماني وأبو حامد لا يكره كذا في القنية اهـ وفي كراهية الدر قبيل فصل البيع ما نصه وجاء لا تقطعوا الخبز بالسكين وأكره، فإن الله أكرمه وفي رد المحتار قوله وجاء قال الشيخ مشايخنا الشيخ إسماعيل الجراحي من الأحاديث المشتهرة لا تقطعوا الخبز واللحم بالسكين كما تقطع الأعاجم ولكن انهشوه نهشا قال الصغاني موضوع اهـ وفي المجتبى لا يكره قطع الخبز واللحم بالسكين اهـ والله تعالى أعلم.