الإجابة
أقول وبالله التوفيق: من أحكام النوافل:
الأول: يكره أن يزيد في النَّفلِ على أربعٍ ركعات بتسليمةٍ في النّهار، وعلى ثمان ركعات في الليل، والأفضل أن يسلّم كل أربع ركعات في الليل والنهار؛ فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلّي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلّي أربعاً فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً» في صحيح مسلم 1: 509، وصحيح البخاري 1: 385، ودلالته واضحة في اشتراط كل أربعة بتسليمة.
وعن أبي أيوب : «إنّ النّبي كان يصلّي قبل الظّهر أربعاً إذا زالت الشّمس لا يفصل بينهن بتسليم، وقال: إنّ أبواب السّماء تفتح إذا زالت الشّمس» في سنن ابن ماجة 1: 365.
وعن عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله يصلّي الضّحى أربع ركعات لا يفصل بينهن بكلام» في مسند أبي يعلى 7: 330.
وعن ابن عمر : «كان يصلّى قبل الجمعة أربعاً لا يفصل بينهن بسلام ثم بعد الجمعة ركعتين» في شرح معاني الآثار 1: 335.
ولأنّه أدوم تحريمة، فيكون أكثر مشقة، وأكبر فضيلة.
الثّاني: تُفرض القراءة في جميع ركعات النّفل والوتر بخلاف الفَرض فتفرض القراءة في ركعتين منه.
الثّالث: يلزم عليه إتمامُ نفلٍ شرعَ فيه قصداً، ولو كان الشّروع في النّفل في الأوقات التي نُهي عن الصّلاة فيها كعند طلوع الشّمس وعند الغروب؛ لأنّه صار لازماً بالتزامه، وإن كان عليه إثم؛ لمخالفة النّبي ، أما لو شرع ظنَّاً: كما إذا ظنَّ أنّه لم يصلِّ فرض الظهر، فشرع فيه فتذكَّرَ أنّه قد صلاه صارَ ما شرعَ فيه نفلاً، فلا يجبُ عليه إتمامُه حتى لو نقضَهُ لا يجبُ القضاء؛ لقوله : {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} محمد: 33 ، والعبادات أحق الأعمال بعدم الإبطال.
ولأنّها عبادة شرع فيها، فلزم إتمامها وقضاؤها عند إفسادها كالحج والعمرة إجماعاً؛ لقوله : {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} البقرة: 196.
الرابع: إن نقض الشفع الأَول أو الشفع الثَّاني فإنّه يقضي ركعتين؛ لأنّه لما شرع في أربعِ ركعاتٍ من النَّفل وأفسدَها في الشّفع الأَول يقضي الشفع الأول لا الشفع الثاني؛ لأنّه لم يشرع في الشّفع الثّاني، وإن قام بعد الرّكعتين إلى الثالثة وأفسدَها يقضي الشّفع الأخير فقط؛ لأنّ الأَول قد تَمّ، وهذا بناءً على أن كل شفع من النّفل صلاة على حدة.
الخامس: إن قَدِرَ على القيام يجوزُ أن يشرعَ في النَّفل قاعداً، وإن شَرَعَ في النَّفلِ قائماً كُرِهَ أن يقعدَ فيه مع القدرةِ على القيام إلاَّ بعذر؛ فعن عمران قال : «مَن صلّى قائماً فهو أفضل، ومَن صلّى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومَن صلّى نائماً فله نصف أجر القاعد» في صحيح البخاري 1: 375، وسنن الترمذي 2: 207.
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «ما رأيت رسول الله يقرأ في شيء من صلاة الليل جالساً، حتى إذا كبّر قرأ جالساً، حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهنّ ثم ركع» في صحيح مسلم 1: 505، وصحيح البخاري 1: 385.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يصلي ليلاً طويلاً قائماً، وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ قائماً ركع قائماً، وإذا قرأ قاعداً ركع قاعداً» في صحيح مسلم 1: 505.
السادس: إنّه يجوز صلاة النّفل راكباً مومِئاً خارج المصرِ إلى غيرِ القبلة، وثبوت أداء النّفل إلى غير القبلة من الشّارع، وهو خلاف الأصول؛ لكونه مخالفاً لنصوص افتراض استقبال القبلة، فاقتصر ذلك على الموضع الذي ورد فيه، وهو أداء النّفل خارج المصر، ولم يتعدّ هذا الحكم إلى أداء النّفل في المصر، وكذا إلى الفرائض؛ فعن ابن عمر قال: «رأيت رسول الله يصلّي على حمار، وهو متوجِّه إلى خيبر» في صحيح مسلم 1: 488، واللفظ له، وصحيح ابن حبان 6: 261-262، وسنن أبي داود 2: 9.
وعن ابن عمر قال: «كان النّبي يصلّي في السّفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته» في صحيح البخاري 1: 339.
وعن يحيى بن سعيد : «رأيت أنس بن مالك في السّفر وهو يصلي على حمار وهو متوجّه إلى غير القبلة يركعُ ويسجدُ إيماءً من غير أن يضعَ وجهه على شيء» في موطأ مالك 1: 151، ومصنف عبد الرزاق 2: 576.
السابع: إن افتتح النّفل راكباً، ثُمَّ نَزَلَ بنى؛ لأنَّه سيؤديه بأكمل مما وجب عليه، وإن افتتح النّفل قائماً ثم ركب فإنّه يفسد؛ لأنّ التحريمة انعقدت موجبةً للركوع والسّجود، ولا يجوزُ أداؤُه بالإيماء.
الثامن: إنّ طول القيام أحب من كثرة السّجود؛ لأنّ القراءة تَكثر بطول القيام، وبكثرة الركوع والسجود يكثر التّسبيح، والقراءة أفضل من التسبيح، ولأنّ القراءة ركن، فكان اجتماع أجزائه أولى وأفضل من اجتماع ركن وسنة، فعن جابر ، قال: «سئل رسول الله أي الصّلاة أفضل؟ قال: طول القنوت» في صحيح مسلم 1: 520، وصحيح ابن خزيمة 2: 186، وصحيح ابن حبان 2: 76. ينظر: تبيين الحقائق 1: 174، وفتح باب العناية 1: 332، والوقاية وشرحها لصدر الشريعة ص167-171، وتبيين الحقائق 1: 171-173، والله أعلم.