الإجابة
أقول وبالله التوفيق: اتفقوا على أنه إذا أحدث المصلّي عمداً بعدما قعد قدر التشهد، أو تكلم، أو عمل عملاً ينافي الصلاة، فقد تمت صلاته، أما إن سبقه الحدث في هذه الحالة فكذلك عندهما، وقال أبو حنيفة: يتوضأ ويقعد ويخرج عن الصلاة.
لهما: قوله لابن مسعود بعد أن علمه التشهد: «إذا قلت هذا، أو فعلت هذا، فقد تمت صلاتك، فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد»، فالحكم بالتمام دليل على أنه لم يبقى عليه فرض آخر، فلا يكون الخروج بصنعه فرضاً. كما أن الخروج من الصلاة قد يكون بفعل معصية: كالقهقهة، أو الحدث العمد، ولا يجوز وصف المعصية بالوجوب.
له: أن إتمام الصلاة فرض بالإجماع، وإتمامها بإنهائها، وإنهاؤها لا يكون إلا بفعل منافٍ للصلاة؛ لأن الشّيء إنّما ينتهي بفعل يضاده، وتحصيل المنافي صُنع المصلي، فيكون فرضاً؛ لأن الإتمام لا يحصل إلا به، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به، يجب كوجوبه، وأما قوله: «تمت» أي: قاربت التمام، وعن عبد الله بن عمرو ، قال : «إذا أحدث - يعني الرجل - وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلّم فقد جازت صلاته»، في سنن الترمذي 2: 261، وسنن البيهقي الكبير 2: 139، ومسند الربيع 1: 108، وحسنه التهانوي في إعلاء السنن 5: 22.
وفائدة الخلاف إن صح -كما هو اختيار البردعي- تظهر في المسائل المشهورة المسماة بـ(الإثني عشرية)، وهي:
إذا رأى المتيمم الماء في صلاته بعدما قعد قدر التشهد قبل السّلام.
أو كان المصلّي ماسحاً فانتقضت مدة مسحه؛ لأن انقضاء المدة ليس بحدث، وإنما يظهر الحدث السابق على الشروع عنده، فكأنه شرع في الصلاة من غير طهارة.
أو خلع الماسح خفيه بعمل يسير، بأن كانا واسعين لا يحتاج فيهما إلى المعالجة في النزع، أما إن كان النزع بفعل عنيف تمت صلاته؛ لوجود الخروج بفعله؛ لأنه بالعمل الكثير تتم صلاته بعد التشهد، ويكون عمله خروجاً من الصلاة بصنعه.
أو كان أميّاً فتعلم سورة، بأن صلى بلا قراءة، فبعدما قعد قدر التشهد تعلم سورة أو ما يجوز به الصلاة: آية، أو ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة، فحينئذٍ تبطل صلاته؛ لرفع العجز ووجود القدرة على القراءة.
أو عرياناً فوجد ثوباً.
أو مومئاً فقدر على الركوع والسجود.
أو تذكر فائتة عليه قبل هذه.
أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أمياً؛ لأن فساد الصلاة بحكم شرعي، وهو عدم صلاحيته للإمامة في حق القارئ لا بالاستخلاف؛ لأنّه غير مفسد حتى جاز استخلاف القارئ.
أو طلعت الشمس وهو في صلاة الفجر؛ لأنّها مفسدة للصلاة من غير صنعه؛ لما روي عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: «وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان».
دخولُ وقتِ العصرِ يوم الجمعة وهو في صلاة الجمعة؛ لأنّها مفسدة للصلاة من غير صنعه.
أو كان ماسحاً على الجبيرة فسقطت عن بُرء.
أو كان صاحب عذر فانقطع عذره: كالمستحاضة ومَن بمعناها، إذا استوعب الانقطاع وقتاً كاملاً.
فإنّه تبطل صلاته في هذه الصور كلها عند أبي حنيفة وإن كانت بعد التشهد فلا يُبنى عليها؛ لأن الخروج من الصلاة بفعل المصلي فرض عنده، وفي هذه الصور كان الخروج بغير صنعه، واعتراض هذه العوارض قبل السلام كاعتراضها في أثناء الصلاة فتُبطل الصلاة.
وعندهما: لا تبطل؛ لأنّ الخروج بفعله ليس بفرض، فاعتراض هذه العوارض بعد تمام فرائض الصلاة، كاعتراضها بعد السلام. ينظر: الحدادي، الجوهرة النيرة، 1: 65-66، ومنلا خسرو، درر الحكام، 1: 98-99، وابن نجيم، البحر الرائق، 1: 399، والكاشغري، منية المصلي، ص133، وأبو الليث، مختلف الرواية، ص92-96، والكاساني، بدائع الصنائع، 1: 58.