السؤال
هل تعد الغلبة من الموانع الشرعية المعتبرة في الصيام؟
الإجابة
نعم تعتبر الغلبة مانعة لفساد الصوم، فلو دخل شيء من المفطرات في جوف الصائم غلبة، وإن كان ذاكراً لصومه، لا يفطر: كالذباب، وغبار الطريق، وغربلة الدقيق. ويتفرع عليه:
1. استعمال العطور في نهار رمضان للصائم لا يفسد الصيام؛ لأنها مجرد رائحة تتعلق بالهواء بلا جسم فلا تفسد الصيام: كالمسك، بخلاف البخور والعود والعنبر وغيرها مما له جرم، فإن دخل إلى حلقه بلا صنعه، لا يفطر ولو كان ذاكراً لصومه؛ لعدم الاحتراز عنه، أما لو أدخله بصنعه، فيفسد صومه.
2. استعمال الصائم للبخور أو العود أو العنبر أو غيرها مما له جرم، يكره له ذلك، لما فيه من تعريض صيامه للخطر، فإن تحقق من دخول شيء إلى حلقه بفعله فسد صيامه، أما لو دخل بلا صنعه، لا يفسد؛ لعدم الاحتراز عنه، أما استعمال العطور في نهار رمضان للصائم لا يفسد الصيام؛ لأنها مجرد رائحة تتعلق بالهواء بلا جسم فلا تفسد الصيام: كالمسك.
3. لو دخل في حلق الصائم دخان عود أو عنبر، فإن كان بلا صنعه، لا يفطر ولو كان ذاكراً لصومه؛ لعدم الاحتراز عنه، أما لو أدخله بصنعه فيفسد.
4. استعمال جهاز الأكسجين للصائم في نهار رمضان لا يفسد الصيام؛ لأن الأكسجين هواء لا جرم له، ولكن إذا أضيف للأكسجين مواد علاجية لها جرم يصبح استعماله في نهار رمضان مفطراً؛ لدخوله إلى الجوف من منفذ معتبر. 5. إجراء عملية جراحية تحت التخدير لا يؤثر على صحة الصوم، فإن التخدير نفسه لا يفسد الصوم؛ لأن غازات التخدير ليست ذات جرم، وإبر التخدير كذلك، شريطة أن يكون قد نوى الصيام قبل الزوال، ولكن في العمليات قد يحدث الفطر لسبب آخر: كدخول أجسام وآلات إلى الجوف، فإن حصل مثل ذلك فعليه القضاء.
6. لو دخل الغبار أو الدخان حلق الصائم، لا يفطر؛ لأن هذا مما لا يمكن الامتناع عنه، فالتنفس لا بد منه للصائم، والتكليف بحسب الوسع، كما في المبسوط 3: 98، والبدائع 2: 90.
7. لو دخل في حلق الصائم غبار الطاحون، فإن كان بلا صنعه، لا يفطر ولو كان ذاكراً لصومه؛ لعدم الاحتراز عنه، أما لو أدخله بصنعه فيفسد.
8. لو دخل في جوف الصائم ذباب، فإنه لا يفطر حتى لو كان ذاكراً لصومه؛ لأنه ليس بطعام؛ ولأنه مغلوب فلا يستطيع الامتناع عنه؛ لأن الصائم لا يجد بداً من أن يفتح فمه، فيتحدث مع الناس، وما لا يمكن التحرز عنه فهو عفو، بخلاف ما لو أخذ الذباب فأكله متعمدا،ً فإنه يفطر، كما في الأصل 2: 339، والمبسوط 3: 93.
9. لو أكل الصائم ذباب أو تراب عمداً، فإنه يفطر؛ لأنه تعمد أكله وإن لم يكن مأكولاً، كما في بدائع الصنائع 2: 90.
10. لو دخل ثلج أو مطر في جوف الصائم، فإنه يفطر على الصحيح؛ لأنه مما يتغذى به، وهذا مما يمكن الاحتراز عنه، بأن يكون تحت السقف مثلاً، كما في المبسوط 3: 93، وبدائع الصنائع 2: 90.
11. لو ابتلع الصائم البزاق الذي اجتمع في فمه، لا يفطر؛ لأن هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه، فيجوز للصائم أن يبتلع ريقه؛ لأن في الاحتراز عنه مشقة، وتنطع في الدين، وقد نهينا عن التنطع، ورفع الله عنا المشقة والحرج، كما في بدائع الصنائع 2: 90.
12. لو ترطبت شفتا الصائم بالبزاق عند الكلام ونحوه وابتعله، فإنه لا يفسد صومه؛ لأنه مما لا يمكن الاحتراز عنه.
13. لو ابتلع الصائم البلل الذي بقي بعد المضمضة في فمه مع البزاق، لا يفطر؛ لأن هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه، لكن ينبغي له أن يبصق مرّة بعد مجّ الماء قبل ابتلاع ريقه؛ لاختلاط الماء بالبصاق فلا يخرج بمجرد المج، ولا يشترط المبالغة في البصق؛ لأن الباقي بعده مجرد بلل ورطوبة لا يمكن التحرز عنه، كما في بدائع الصنائع 2: 90، ورد المحتار 2: 98.
14. لو دخلت دموع الصائم في فمه، إن كان الدمع قليلاً: كقطرة أو قطرتين، لا يفطر، أما لو كثر حتى وجد ملوحته في جميع فمه وابتلعه، فإنه يفسد صومه.
15. صائم نزل من أنفه دم في نهار رمضان، لا يفسد صيامه؛ إلا إذا وصل إلى جوفه منه شيء أو تعمد تركه فابتلعه، فيفسد صومه ويمسك بقية يومه حرمة للشهر، وعليه قضاء يوماً مكانه. 16. صائم دميت لثته، بأن خرج من بين أسنانه دم فدخل حلقه أو ابتلعه، فإن كانت الغلبة للدم، بأن وجد طعمه، فسد صومه وعليه القضاء ولا كفارة عليه، وإن كانت الغلبة للبزاق فلا شيء عليه، وإن كانا سواء فسد احتياطاً، كما في بدائع الصنائع 2: 99، والشرنبلالية 1: 202.
17. قلع الأسنان وحشوها وسحب عصبها في نهار رمضان للصائم لا يفسد الصوم، فإنَ مجرد خلع الضرس في نهار رمضان لا يفسد الصيام، لكن لو دخل إلى الجوف شيءٌ من الماء أو الدم، فسد الصوم، وعلى من فسد صومه بذلك الإمساك بقية يومه لحرمة الشهر، وعليه قضاء يوماً مكانه، ولو استطاع أن يؤخر عملية الخلع إلى الليل أو إلى ما بعد رمضان يكون أفضل. 18. صائم ذاق شيئاً بفمه أو مضغه، لا يفسد صومه، بشرط أن يلقيه ولا يبتلعه، ويكره تنزيهاً هذا الفعل؛ لأن فيه تعريض صيامه للفساد، إلا لعذر: ككون الزوج سيء الخلق فذاقت، أو خاف الغبن في شراء مأكول ولم يكن له بدّ من شرائه، أو لم تجد مَن يمضغ لولدها الطعام من حائض أو نفساء، كما في الهدية العلائية ص163.
19. لو استنجى الصائم بالماء، فإن لم يبالغ فيه، فإنه لا يفسد صومه، أما لو بالغ فيه حتى بلغت البلة موضع المحقنة – وهي آلة الاحتقان -، وهذا قلما يكون فإنه يفسد، الهدية العلائية ص161.
20. لو ابتلع الصائم البلغم بعدما تخلص بالتنحنح من حلقه إلى فمه، فإنه لا يفسد صومه، كما في الهدية العلائية ص162.
21. لو قاء الصائم بلغماً، فإنه غير مفسد لصومه مطلقاً، سواء كان نازلاً من الرأس، أو صاعداً من الجوف، وسواء كان قليلاً أو كثيراً؛ لأن البلغم بسبب كونه لزجاً لا تختلط معه النجاسة، وهو في نفسه ليس نجساً، كما في شرح الوقاية 1: 87، والسعاية 1: 220.
22. لو نزل من أنفه مخاط ولو لرأس أنفه فاستشمه عمداً فدخل حلقه، فإنه لا يفسد صومه، كما في الهدية العلائية ص162.
23. لو سال ريقه إلى ذقنه كالخيط ولم ينقطع فجذبه ولو عمداً، فإنه لا يفسد صومه، كما في الهدية العلائية ص162.
24. لو قاء أو استقاء طعاماً أو ماء أو دماً أو مِرَّة - المرة السوداء أو المرة الصفراء-، فلها وجهان:
الأول: إن ذرعه القيء ـ أي سبقه وغلبه ـ ولها حالان:
أولاً: إن كان ملء الفم، ولها ثلاثة صور:
1. إن عاد القيء بنفسه، وهو ذاكر للصوم، فإنه لا يفسد صومه، وهو الصحيح؛ لأنه لم يوجد منه صورة الفطر، وهو الابتلاع وكذا معناه؛ إذ لا يتغذى به.
2. إن أعاد القيء بصنعه أو قدر حمصة منه فأكثر؛ فإنه يفسد صومه، وعليه القضاء، إذا كان أصله ملء الفم.
3. إن خرج القيء ولم يعده ولا عاد بنفسه، فإنه لا يفطر.
ثانياً: إن لم يكن ملء الفم، ولها ثلاثة صور:
a. إن عاد القيء بنفسه، فإنه لا يفسد صومه.
b. إن أعاد القيء، فإنه لا يفسد، وهو الصحيح؛ لعدم الخروج؛ إذ أن ملء الفم له حكم الخارج، وما دونه ليس بخارج؛ لأنه يمكن ضبطه.
c. إن خرج القيء ولم يعده ولا عاد بنفسه، فإنه لا يفطر.
الثاني: إن استقاء عمداً، ولها حالان:
أولاً: إن كان ملء الفم فإن صومه يفسد في صوره الثلاث، ولا يتأتى فيه تفريع العود والإعادة؛ لأنه أفطر بالقيء.
ثانياً: إن لم يكن ملء الفم ولها ثلاثة صور:
1. إن عاد القيء بنفسه فإنه لا يفطر
2. إن أعاد القيء، فإنه لا يفسد في الأصح؛ لعدم الخروج. 3. إن خرج القيء ولم يعده ولا عاد بنفسه، فإنه لا يفطر. كما في التبيين 1: 325-326، ورد المحتار 2: 111.
وعليه: يشترط في القيء الذي يفسد الصيام، شرطين لا بد منهما: أولاً: أن يكون متعمداً في القيئ، وثانياً: أن يكون القيء ملئ الفم، فإن فقد أحداهما، لا يفسد الصيام؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: ((مَن ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض))، في المنتقى 1: 104، وصحيح ابن حبان 8: 284، والمستدرك 1: 589، وجامع الترمذي 3: 98، وسنن أبي داود 2: 310، وسنن ابن ماجة 1: 536، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: من ذرعه القيء وهو صائم فلا يفطر، ومن تقيأ فقد أفطر، في مصنف ابن أبي شيبة 2: 297. وقال صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث لا يفطرن الصائم: القيء، والاحتلام، والحجامة))، ويتفرع عليه: إن اضطر إلى القيء للتداوي بإخبار طبيب، ففعل فلا إثم عليه، لكنه يعد مفطرًا، وعليه إمساك بقية النهار إن استطاع، حرمة لرمضان، وأن يقضي يوماً مكانه.